تمرّ الذكرى الحادية عشرة لعاصفة الحزم بوصفها لحظة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، لحظة مثلت تحوّلًا عميقًا في مسار وطن كان يقف على حافة الانهيار الكامل، وكانت فيه القلوب قد بلغت الحناجر، واشتدت المخاوف، وضاقت الخيارات إلى حدّ بدا معه المستقبل غامضًا ومثقلاً بكل احتمالات السقوط، ففي مثل هذه الأيام من عام 2015م، كان اليمن يعيش واحدة من أحلك مراحله؛ دولة تتهاوى مؤسساتها، وعاصمة تُختطف، وإرادة وطنية تُصادر تحت وقع السلاح، ومليشيات تتمدد في الجغرافيا وتفرض واقعًا قسريًا لا يعترف بالدولة ولا بالشراكة ولا بالتوافق، في مشهد أعاد إلى الأذهان عصورًا من الاستبداد والانغلاق، وأغلق الأفق أمام أي أمل في استعادة الدولة أو الحفاظ على ما تبقى منها.
في تلك اللحظة الحرجة، لم يكن الخطر محصورًا داخل الحدود اليمنية، وإنما كان يحمل أبعادًا إقليمية تهدد توازن المنطقة واستقرارها، وكان اليمنيون يشعرون بأنهم تُركوا لمصير مجهول، وأن وطنهم يُسلب منهم أمام مرأى العالم دون أن يجدوا ما يوقف هذا الانحدار المتسارع، وعندها جاءت عاصفة الحزم استجابة لنداء الشرعية، وتعبيرًا عن موقف عربي حاسم أعاد التوازن إلى المشهد، وفتح نافذة أمل في جدار الأزمة الصلب، مؤكدًا أن هناك إرادة تقف إلى جانب شعبه في معركته لاستعادة دولته وهويته.
لم تكن تلك اللحظة مجرد بداية لعمليات عسكرية، وإنما كانت لحظة استعادة للمعنى، حين عاد إلى اليمنيين شيء من الإيمان بإمكانية التغيير بعد أن كاد اليأس أن يستقر في النفوس، وحين بدأ الشعور بأن الاستبداد مهما طال لا يمكن أن يصمد أمام إرادة الشعوب، ومع انطلاق تلك العملية، تشكّلت ملامح مقاومة وطنية، وانتفضت محافظات، وبدأت صورة مختلفة تتشكل، رغم وعورة الطريق وتعقيداته، ورغم الكلفة الباهظة التي دفعها اليمنيون في سبيل ذلك.
وعلى مدى أحد عشر عامًا، لم تكن الرحلة سهلة، كانت مليئة بالتضحيات والآلام، حيث سالت الدماء، وتعاظمت المعاناة الإنسانية، وواجه الاقتصاد تحديات قاسية، ومع ذلك أظهرت هذه السنوات معدن اليمنيين الحقيقي، شعبًا يرفض الانكسار، ويتمسك بحقه في الحرية والكرامة، ويؤمن بأن استعادة الدولة ضرورة وجودية، كما كشفت تلك المرحلة عن أهمية الدعم العربي، وفي مقدمته الدعم السعودي، الذي لم يقتصر على الجانب العسكري، فقد امتد إلى الجوانب الإنسانية والتنموية، في محاولة لتخفيف معاناة اليمنيين وتعزيز صمودهم.
حملت عاصفة الحزم في طياتها دلالات استراتيجية عميقة، إذ مثّلت تحولًا في طبيعة التعاطي مع الأزمات من موقع رد الفعل إلى المبادرة، وأكدت أن الأمن الإقليمي مترابط لا يمكن تجزئته، وأن ما يحدث في اليمن يتجاوز حدوده ليؤثر في محيطه، كما بعثت برسالة واضحة مفادها أن فرض الوقائع بالقوة لا يمكن أن يصنع شرعية، وأن الدولة لا يمكن أن تُستبدل بمشاريع قائمة على السلاح والغلبة.
اليوم، في هذه الذكرى، لا يبدو استحضار الماضي كافيًا ما لم يقترن بنظرة واعية إلى الحاضر واستشراف للمستقبل، فاليمن لا يزال في حاجة إلى توحيد صفه الوطني، وتجاوز خلافاته، وتعزيز مؤسساته، وبناء رؤية سياسية شاملة تُنهي أسباب الصراع وتؤسس لسلام مستدام يعيد للدولة حضورها ولمواطنيها حقوقهم والتحدي اليوم في استعادة الدولة بمعناها الكامل، دولة النظام والقانون، دولة المواطنة المتساوية، والدولة القادرة على حماية نفسها وخدمة شعبها.
وفي هذه المناسبة، يعبّر اليمنيون عن عميق امتنانهم وتقديرهم لملك الحزم والعزم الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي اتخذ القرار التاريخي في لحظة مفصلية، ووقف إلى جانب الشعب اليمني في أصعب ظروفه، كما يتوجهون بالشكر والتقدير إلى ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، لما بذله ويبذله من جهود متواصلة في دعم اليمن وأمنه واستقراره، ويظل الشكر موصولًا إلى المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، على مواقفهم الأخوية الصادقة، ودعمهم السخي الذي امتد عسكريًا وإنسانيًا وتنمويًا، وكان له أثر بالغ في صمود اليمنيين وتخفيف معاناتهم.
ستبقى عاصفة الحزم في الذاكرة اليمنية لحظة فاصلة، لحظة انتقل فيها اليمنيون من حافة السقوط إلى بداية طريق طويل نحو الاستعادة، طريق لم يكتمل بعد، لكنه كسر حالة الجمود والخوف، وأعاد فتح باب الأمل، بلغت القلوب الحناجر يومها، لكن الأمل لم يمت، وإنما ظل حيًا في صدور اليمنيين، يتجدد مع كل تضحياتهم، ويكبر مع كل خطوة نحو استعادة وطن يستحقونه، وطن يتجاوز مآسيه ليصنع مستقبله بإرادة أبنائه.
جار تحميل الصفحة...

