في الذكرى السادسة والثلاثين لقيام الجمهورية بدا خطاب فخامة الرئيس القائد الدكتور رشاد العليمي أقرب إلى وثيقة سياسية متكاملة، وخارطة طريق للدولة اليمنية في لحظة بالغة التعقيد والخطورة، فجاء الخطاب محمّلًا بقدر عالٍ من الصراحة السياسية، والنضج القيادي، والقدرة على تشخيص الأزمة اليمنية بعيدًا عن لغة المكابرة أو الخطاب التعبوي التقليدي، وهو ما منح الكلمة ثقلًا استثنائيًا، ورسائل متعددة الأبعاد داخليًا وخارجيًا، ولعل أبرز ما ميّز خطاب التبع اليماني أنه انتقل بالحديث عن الوحدة اليمنية من دائرة الشعارات الجامدة إلى فضاء الدولة العادلة والشراكة الوطنية، فقد أدرك الرئيس أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الاعتراف بالأخطاء، وإنما الإصرار على إنكارها، ولذلك جاء حديثه عن “الانحرافات” التي أصابت مسار الوحدة حديث رجل دولة يقرأ التاريخ بعين المسؤولية لا بعين المناورة السياسية.
بدا واضحًا أن العليمي أراد أن يؤسس لمعادلة جديدة تقوم على أن حماية الوحدة لا تكون بالقوة أو الإقصاء، وإنما ببناء دولة المواطنة والإنصاف والتوازن والشراكة، وهي رؤية سياسية عميقة تعكس فهمًا حقيقيًا لطبيعة الأزمة اليمنية وتعقيداتها المتراكمة، ومن اللافت في الخطاب أن الرئيس لم يقع في فخ الاستقطاب أو خطاب الغلبة، بل تحدث بلغة جامعة تميل إلى التهدئة الوطنية وترميم الثقة بين المكونات المختلفة، وهذه نقطة بالغة الأهمية في مرحلة أنهكتها الصراعات والتجاذبات الحادة.
قدّم فخامة الرئيس نفسه في هذا الخطاب بوصفه رئيسًا للدولة لا طرفًا في النزاع، وهو ما تجلى في حديثه المتوازن عن القضية الجنوبية، ورفضه في الوقت نفسه لمشاريع التمرد المسلح أو تقويض مؤسسات الدولة، وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة السياسية الناضجة: القدرة على الجمع بين الحزم والانفتاح، وبين حماية الدولة واستيعاب المظالم، دون الوقوع في خطاب الانتقام أو الكراهية الذي عكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التهديدات المحدقة باليمن، سواء تلك المرتبطة بالمليشيا الحوثية المدعومة من إيران، أو بالمشاريع الصغيرة التي تستنزف الدولة من الداخل، أو بمحاولات الإرهاب إعادة إنتاج الفوضى وتقويض أي فرصة للتعافي والاستقرار.
وفي هذا السياق، برز القائد الأعلى واثقًا من قدرة الدولة على تجاوز التحديات، مستندًا إلى رؤية تقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتوحيد القرار العسكري والأمني، وتعزيز الشراكة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية، والانفتاح على الفضاء الخليجي باعتباره عمقًا استراتيجيًا لليمن، ومما يمنح الخطاب قيمته السياسية أنه تضمّن محددات واضحة للعمل الوطني في المرحلة المقبلة، بدءًا من الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز الحوكمة، وتمكين السلطات المحلية، وصولًا إلى بناء نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطن.
الخطاب حمل بُعدًا إنسانيًا لافتًا، خصوصًا في حديثه عن ملف المختطفين والمحتجزين، وإعلائه لقيمة الإنسان اليمني فوق الحسابات السياسية، وهي رسالة تعكس وعيًا بأن الدولة الحقيقية تبنى بالعدالة والرحمة وصون الكرامة الإنسانية، وما يلفت الانتباه في خطاب العليمي هو محاولته إعادة الاعتبار لفكرة الدولة في الوعي اليمني، بعد سنوات طويلة من التآكل والفوضى والانقسامات، فقد أدرك الرئيس أن المعركة الكبرى اليوم ليست فقط مع الحوثيين، وإنما مع ثقافة انهيار الدولة وتفكك المؤسسات وصعود الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
تحدث الرئيس بعقلية رجل يدرك أن اليمن يقف عند مفترق طرق تاريخي، وأن النجاح في هذه المرحلة يتطلب إعادة بناء الثقة الوطنية وصناعة أفق جديد لليمنيين، وفي المجمل، يمكن القول إن خطاب الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة جاء ليؤكد أن الدكتور رشاد العليمي يمتلك رؤية دولة أكثر من امتلاكه خطاب سلطة، وأنه يحاول إدارة المرحلة بمنطق التوازن الوطني، لا بمنطق المغالبة السياسية، وفي حقيقة الأمر فقد كان خطابًا يرفع من شأن الدولة، ويعيد الاعتبار لمفهوم الشراكة، ويؤسس لخطاب سياسي أكثر نضجًا وواقعية، في وقت تحتاج فيه اليمن إلى رجال دولة قادرين على الجمع بين الحكمة والحزم، وبين الواقعية السياسية والإيمان بالمشروع الوطني الكبير، وفي لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، بدا الرئيس حريصًا على تقديم اليمن بوصفه مشروع استقرار وشراكة، لا ساحة صراع مفتوحة، وهي رسالة تحمل كثيرًا من الدلالات السياسية والاستراتيجية لمستقبل البلاد والمنطقة بأسرها.
جار تحميل الصفحة...

